محمد جمال الدين القاسمي

89

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

أو طائفة خائنة . يعني : أن الغدر والخيانة عادة مستمرة لهم ولأسلافهم ، بحيث لا يكادون يتركونها أو يكتمونها . فلا تزال ترى ذلك منهم . قال مجاهد . وغيره بذلك تمالؤهم على الفتك برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ وهم المؤمنون منهم فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ أي لا تعاقبهم . قال ابن كثير : هذا موجب النصر والظفر . كما قال عمر : ما عاملت من عصى اللّه فيك بمثل أن تطيع اللّه فيه . وبهذا ، يحصل لهم تأليف وجمع على الحقّ . ولعلّ اللّه يهديهم . ولهذا قال تعالى : إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ يعني به الصفح عمّن أساء ، فإنه من باب الإحسان . تنبيه : قال بعض المفسّرين : في هذا دلالة على جواز التحليف على الأمور المستقبلة . وأخذ الكفيل على الحق الذي يفعل في المستقبل . وفي قوله تعالى : فَبِما نَقْضِهِمْ مِيثاقَهُمْ . . . إلخ ، دليل على تأكيد الميثاق ، وقبح نقضه ، وأنه قد يسلب اللطف المبعد من المعاصي . ويورث النسيان ، ولهذا قال تعالى : وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وعن ابن مسعود : قد ينسى المرء بعض العلم بالمعصية . انتهى . القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة المائدة ( 5 ) : آية 14 ] وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ ( 14 ) وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ بعبادة اللّه وحده ، وأن لا يشركوا به شيئا ، وحفظ شرعة عيسى عليه السلام . وإنما نسب تسميتهم نصارى إلى أنفسهم - دون أن يقال ( ومن النصارى ) - إيذانا بأنهم في قولهم نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ * [ آل عمران : 52 ] بمعزل من الصدق . وإنما هو تقول محض منهم . وليسوا من نصرة اللّه تعالى في شيء . أو إظهارا لكمال سوء صنيعهم ببيان التناقض بين أقوالهم وأفعالهم . فإن ادعاءهم لنصرته تعالى يستدعي ثباتهم على طاعته تعالى ومراعاة ميثاقه . أفاده أبو السعود .